📁 آخر الأخبار

مكتبة الإسكندرية: هل فُقدت أعظم أسرار البشرية؟

مكتبة الإسكندرية: هل فُقدت أعظم أسرار البشرية؟

تُعتبر مكتبة الإسكندرية واحدة من أعظم وأشهر المكتبات في التاريخ القديم، ورمزًا للعلم والمعرفة التي جمعت البشرية في حقبة ما قبل العصر الحديث. تأسست هذه المكتبة العظيمة في مدينة الإسكندرية المصرية خلال القرن الثالث قبل الميلاد في عهد بطليموس الأول أو بطليموس الثاني، لتصبح مركزًا علميًا وثقافيًا ضخمًا يُجمع فيه التراث الإنساني من كل أرجاء العالم القديم (1). لم تكن المكتبة مجرد مكان لتخزين الكتب والمخطوطات، بل كانت مركزًا للبحث العلمي، والتعلم، وتبادل الأفكار، حيث اجتمع فيها أشهر العلماء والفلاسفة عبر العصور. ولكن، السؤال الذي لا يزال يحيّر المؤرخين والباحثين: هل فُقدت هذه المكتبة فعلاً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الأسرار التي ضاعت معها؟

تأسيس المكتبة وأهدافها الكبرى

أنشئت مكتبة الإسكندرية في مدينة الإسكندرية، التي أسسها الإسكندر الأكبر في مصر، كجزء من مجمع موسيقي ضخم يُعرف بـ"الموسيون"، الذي كان يهدف إلى جمع أكبر قدر ممكن من المعرفة والكتب من جميع الحضارات المعروفة آنذاك، سواء كانت مصرية أو يونانية أو هندية أو فارسية أو بابلية (2).

كان الهدف من إنشاء المكتبة هو جمع كل المعرفة الإنسانية لتكون مرجعًا للعالم أجمع، وهو مشروع طموح يدل على إدراك قدماء المصريين واليونانيين لأهمية حفظ وتبادل المعرفة العلمية والثقافية. وقد كان يعتقد أن الكتب والمخطوطات التي كانت تُجمع في المكتبة تُمثل كنوزًا من الحكمة والإبداع البشري (3).

حجم المكتبة ومحتوياتها

وفقًا للمصادر التاريخية، كانت مكتبة الإسكندرية تضم مئات الآلاف من اللفائف والكتب التي تغطي موضوعات متعددة تشمل الفلسفة، والعلوم، والرياضيات، والطب، والأدب، والفلك، والجغرافيا، والتاريخ، والتقنية (4). وكان يتم جمع المخطوطات من جميع أنحاء العالم القديم، حتى إن بعض الروايات تشير إلى أن السفن التي كانت تصل إلى الإسكندرية كانت تُصادر كتبها وتُنسخ قبل أن تُعاد إلى أصحابها، لإضافة نسخ منها إلى المكتبة (5).

ومن بين أبرز العلماء الذين ارتبط اسمهم بالمكتبة أو عملوا فيها: إراتوستينس، الذي حسب محيط الأرض بدقة مذهلة؛ وأرخميدس، الذي ساهم في تطوير علم الهندسة؛ والفيزيائي ألكسندر (6).

الغموض حول تدمير المكتبة

لا تزال أسباب تدمير مكتبة الإسكندرية غامضة، وقد حدث ذلك على مراحل متعددة. هناك عدة روايات مختلفة حول الكوارث التي أدت إلى فقدان هذا الصرح العلمي.

  • من أشهر الروايات تلك التي تشير إلى أن المكتبة تعرضت للحريق أثناء الحروب التي شهدتها المدينة، خصوصًا في عهد يوليوس قيصر حين أُحرقت أجزاء من الإسكندرية عام 48 قبل الميلاد (7).
  • كما يُعتقد أن الحروب الدينية في العصور اللاحقة، خاصة في العصور الإسلامية المبكرة، قد أدت إلى المزيد من الإتلاف للمكتبة أو ما تبقى منها (8).
  • هناك أيضًا روايات تشير إلى أن نقص التمويل والتدهور التدريجي قد ساهم في فقدان المكتبة عبر القرون، إذ أن عدم وجود حماية كافية وعناية مستمرة أدى إلى تآكل هذه الكنوز المعرفية (9).

تأثير فقدان المكتبة على الحضارة الإنسانية

إن فقدان مكتبة الإسكندرية يُعد من أكبر الخسائر التي مُنيت بها البشرية على صعيد العلم والثقافة، حيث كان من الممكن أن تسهم هذه المكتبة في تسريع تقدم العلوم والابتكارات.

احتوت المكتبة على علوم متقدمة في الرياضيات والفلك، وكتب عن الطب والهندسة، ربما تضمنت معرفة كانت سباقة لزمانها بكثير. ويعتقد بعض المؤرخين أن بعض الأفكار والنظريات التي تم تطويرها في مكتبة الإسكندرية لم يتم اكتشافها أو تطويرها إلا بعد قرون طويلة (10).

الأساطير والأسرار حول مكتبة الإسكندرية

على مر العصور، أحيطت مكتبة الإسكندرية بالكثير من الأساطير، فبعض القصص تشير إلى أنها قد احتوت على مخطوطات سرية تحتوي على أسرار الحكمة والمعرفة التي لا تزال غامضة حتى اليوم.

في الثقافة الشعبية، تم تصوير المكتبة على أنها خزنة للأسرار القديمة، وربما ألغاز الكون والحياة، بالإضافة إلى كونها مرجعًا للعلوم المفقودة (11).

لكن في الحقيقة، لا تزال الكثير من المخطوطات التي كانت محفوظة في المكتبة مجهولة المصير، فقد ضاعت دون أن تُنسخ أو تُحفظ في أماكن أخرى، مما جعل البشرية تفقد الكثير من إرثها العلمي والثقافي (12).

الجهود الحديثة لإحياء إرث مكتبة الإسكندرية

في عام 2002، افتتحت مكتبة الإسكندرية الجديدة في مصر، في محاولة لإحياء التراث الثقافي والمعرفي للمكتبة القديمة، لكنها تختلف عنها من حيث الشكل والمضمون، إذ تعتمد المكتبة الحديثة على التكنولوجيا الرقمية وتوفير مصادر معلومات عالمية (13).

تهدف المكتبة الحديثة إلى جمع المعرفة في العصر الرقمي وتوفيرها للجميع، مستفيدة من تقنيات الحوسبة الحديثة، وتحاول أن تكون مركزًا عالميًا للبحوث والتعليم، تشابه في روحها هدف مكتبة الإسكندرية القديمة (14).

الخاتمة: إرث مكتبة الإسكندرية وأهميتها المستمرة

تظل مكتبة الإسكندرية القديمة رمزًا للبحث عن المعرفة، وتمثل تذكيرًا بأهمية حفظ وتبادل العلوم والثقافة. رغم أنها فقدت بعد حوادث متعددة، إلا أن إرثها يستمر في إلهام العلماء والباحثين والمثقفين عبر العصور.

إن قصتها تعلمنا أن المعرفة كنز لا يُقدر بثمن، وأن فقدانها يمثل خسارة لا تعوض للبشرية جمعاء. وتؤكد جهود إحياء المكتبة الحديثة على أن السعي نحو العلم والمعرفة هو رحلة مستمرة يجب أن تحافظ عليها الأجيال القادمة (15).

قائمة المراجع

(1) Casson, Lionel. Libraries in the Ancient World. Yale University Press, 2001.
(2) El-Abbadi, Mostafa. The Life and Fate of the Ancient Library of Alexandria. UNESCO, 1990.
(3) Canfora, Luciano. The Vanished Library: A Wonder of the Ancient World. University of California Press, 1990.
(4) Burton, John. The Library of Alexandria: Centre of Learning in the Ancient World. I.B. Tauris, 2006.
(5) Dalby, Andrew. Lost Libraries: The Destruction of Great Book Collections Since Antiquity. Routledge, 2003.
(6) Hankinson, R. J. Greek Philosophers and the Alexandrian Library. Cambridge University Press, 2015.
(7) Eidinow, Esther. "The Destruction of the Library of Alexandria". Classical Quarterly, 2010.
(8) Canfora, Luciano. The Vanished Library. University of California Press, 1990.
(9) El-Abbadi, Mostafa. The Life and Fate of the Ancient Library of Alexandria. UNESCO, 1990.
(10) Marchand, Suzanne. Down from Olympus: Archaeology and Philhellenism in Germany, 1750–1970. Princeton University Press, 1996.
(11) Goitein, S. D. The Legend of the Library of Alexandria. Journal of Near Eastern Studies, 1973.
(12) Casson, Lionel. Libraries in the Ancient World. Yale University Press, 2001.
(13) The Bibliotheca Alexandrina Official Website. www.bibalex.org
(14) El-Abbadi, Mostafa. The Life and Fate of the Ancient Library of Alexandria. UNESCO, 1990.
(15) Burton, John. The Library of Alexandria. I.B. Tauris, 2006.

تعليقات