📁 آخر الأخبار

الأشباح والأرواح: بين الأسطورة والعلم

مقدمة

منذ فجر التاريخ، ظل الإنسان يتساءل عن ماهية الروح وما إذا كانت الحياة تستمر بعد الموت. في مختلف الحضارات، ظهرت حكايات الأشباح والأرواح، بعضها اتخذ طابعًا أسطوريًا، وبعضها الآخر ارتبط بتجارب شخصية يزعم أصحابها أنها حقيقية. ومع تطور العلوم، بدأ الباحثون في دراسة هذه الظواهر بحثًا عن تفسير علمي، مما جعل موضوع الأشباح والأرواح يقف على الخط الفاصل بين الإيمان الشعبي والتحقيق العلمي.

الأشباح والأرواح: بين الأسطورة والعلم

الأشباح في الموروث الإنساني

الحضارات القديمة، مثل المصرية واليونانية والبابلية، اعتقدت بوجود الأرواح التي تظل مرتبطة بالعالم المادي بعد الموت.

  • في مصر القديمة، كان المصريون يؤمنون بأن الروح (الـ"كا" و"با") تستمر في الوجود بعد الموت وتزور الأحياء أحيانًا، وهو ما نراه في نصوص الأهرام(1).
  • في اليونان القديمة، وصفت الأساطير الأرواح بأنها ظلال باهتة تسكن عالم هاديس، لكنها قد تعود لتتواصل مع الأحياء لأسباب خاصة(2).
  • في العصور الوسطى الأوروبية، ارتبطت الأشباح بالقصص الدينية عن الحساب والعقاب، وظهرت في الأدب الكلاسيكي مثل مسرحيات شكسبير.

المنظور الديني للأرواح

الأديان الكبرى تقدم تفسيرات مختلفة لوجود الأرواح:

  • الإسلام يرى أن الأرواح تنتقل إلى "البرزخ" بعد الموت، وأن ظهورها للأحياء أمر نادر، وغالبًا ما يُفسر بأنه رؤية منامية أو وهمية(3).
  • المسيحية، خاصة في تراثها الكاثوليكي، تقبل بفكرة ظهور الأرواح كجزء من تدخل إلهي أو كنوع من التحذير الروحي(4).
  • البوذية والهندوسية ترتبط فيهما الأرواح بمفهوم التناسخ والكارما، حيث يمكن أن تعود الروح في جسد آخر(5).

التفسيرات العلمية لظاهرة الأشباح

على الرغم من الكم الكبير من القصص الشعبية، إلا أن الأبحاث العلمية تميل إلى تفسير الظاهرة بطرق فيزيولوجية أو نفسية:

1. الهلاوس البصرية و السمعية

  • قد تحدث بسبب اضطرابات النوم مثل شلل النوم، حيث يشعر الشخص بوجود كائنات أو ظلال(6).
  • بعض الأمراض العصبية مثل الصرع في الفص الصدغي يمكن أن تولد أوهامًا حسية(7).
2. التأثيرات البيئية

  • الترددات المنخفضة (infrasound)، التي لا يسمعها الإنسان، يمكن أن تولد شعورًا بالخوف أو رؤية أشكال وهمية(8).
  • العفن السام أو تسرب أول أكسيد الكربون في البيوت القديمة قد يسبب أعراضًا عصبية توهم الشخص بوجود أشباح(1).
3. التفسيرات النفسية

  • العقل البشري مهيأ للبحث عن أنماط في الظلال أو الأصوات، وهي ظاهرة تسمى pareidolia(10).
  • الضغط النفسي والحزن الشديد قد يؤديان إلى "رؤية" أشخاص متوفين كآلية عاطفية للتكيف(11).

دراسات وتجارب مخبرية

قام ريتشارد وايزمان، عالم النفس البريطاني، بسلسلة تجارب في منازل يُعتقد أنها مسكونة، ووجد أن معظم الظواهر يمكن تفسيرها بعوامل بيئية ونفسية(12).
كما أن أبحاث جامعة كندا الغربية أظهرت أن ارتداء خوذة تنتج مجالات مغناطيسية ضعيفة على الدماغ يمكن أن يسبب إحساسًا بوجود "كيان غير مرئي"(13).

المجال بين العلم والماورائيات

على الرغم من أن العلم لم يجد دليلاً قاطعًا على وجود الأرواح، إلا أن بعض الباحثين في مجال الباراسيكولوجي لا يستبعدون إمكانية وجود طاقات أو معلومات تبقى بعد الموت(14).
لكن النقد الموجه لهذه الدراسات يكمن في ضعف توثيق التجارب وصعوبة إعادة إنتاج النتائج.

التأثير الثقافي للأشباح

قصص الأشباح ليست مجرد حكايات مرعبة، بل تلعب دورًا مهمًا في الثقافة الشعبية:

  • في الأدب: من "شبح هاملت" إلى "مرتفعات وذرينغ".
  • في السينما: أفلام الرعب التي تتناول الأشباح تحقق أرباحًا ضخمة عالميًا.
  • في السياحة: مدن مثل إدنبرة ولندن تقدم جولات سياحية في "أماكن مسكونة".

الخاتمة

الأشباح والأرواح تظل موضوعًا يجمع بين الإيمان والأسطورة والبحث العلمي. وبينما لم يتمكن العلم بعد من إثبات وجودها، فإنها تواصل إثارة فضول البشر وتحفيز خيالهم. وربما سيأتي يوم تكشف فيه التكنولوجيا الحديثة أسرار هذا اللغز القديم.

المراجع

  1. Allen, J.P. Middle Egyptian: An Introduction to the Language and Culture of Hieroglyphs. Cambridge University Press, 2014. 
  2. Johnston, S.I. Restless Dead: Encounters between the Living and the Dead in Ancient Greece. University of California Press, 1999. 
  3. ابن القيم الجوزية، الروح. دار ابن كثير، 2007. 
  4. Catechism of the Catholic Church, Libreria Editrice Vaticana, 2012. 
  5. Flood, G. An Introduction to Hinduism. Cambridge University Press, 1996. 
  6. Sharpless, B.A., & Barber, J.P. "Lifetime prevalence rates of sleep paralysis." Sleep Medicine Reviews, 15(5), 311–315, 2011. 
  7. Devinsky, O., & Lai, G. "Spirituality and religion in epilepsy." Epilepsy & Behavior, 12(4), 636–643, 2008. 
  8. Tandy, V., & Lawrence, T. "The ghost in the machine." Journal of the Society for Psychical Research, 62, 360–364, 1998. 
  9. Wilkie, D. "Toxic mold syndrome." Journal of Environmental Health, 66(6), 34–36, 2004. 
  10. Liu, J. et al. "Seeing Jesus in toast: Neural and behavioral correlates of face pareidolia." Cortex, 53, 60–77, 2014. 
  11. Grimby, A. "Bereavement among elderly people: Grief reactions, post-bereavement hallucinations and quality of life." Acta Psychiatrica Scandinavica, 87(1), 72–80, 1993. 
  12. Wiseman, R. Paranormality: Why We See What Isn't There. Macmillan, 2011. 
  13. Persinger, M.A. "The sensed presence within experimental settings." Perceptual and Motor Skills, 75(2), 659–669, 1992. 
  14. Cardeña, E., Lynn, S.J., & Krippner, S. Varieties of Anomalous Experience. American Psychological Association, 2014. 

تعليقات